حسين بن منصور الحلاج
29
ديوان الحلاج
تيأس منه ، ولا ترغب في محبّته ولا ترض أن تكون غير محبّ ، ولا تقل بإثباته ولا تمل إلى نفيه ، وإيّاك والتوحيد ، والسلام « 1 » . 41 - أمّا بعد : فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلّا هو ، الخارج من حدود الأوهام وتصاوير الظنون وتخييل الفكر وتحديد الضمير ، الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ « 2 » واعلم أنّ المرء قائم على بساط الشريعة ما لم يصل إلى مواقف التوحيد . فإذا وصل إليها سقطت من عينه الشريعة واشتغل باللوائح الطالعة من معدن الصدق . فإذا ترادفت عليه اللوائح ، وتتابعت عليه الطوالع ، صار التوحيد عنده زندقة . والشريعة عنده هوسا ، فبقي بلا عين ولا أثر . إن استعمل الشريعة استعملها رسما وإن نطق بالتوحيد نطق به غلبة وقهرا « 3 » . 42 - أما بعد : فإنّي لا أدري ما أقول . إن ذكرت برّكم لم أنته إلى كنهه وإن ذكرت جفاءكم لم أبلغ الحقيقة . بدت لنا باديات قربكم فأحرقتنا وأذهلتنا عن وجود حبّكم . ثم عطف وألف مما ضيّع وأتلف ، ومنع عن وجود طعم التلف . وكأني وقد تخرّقت الأنوار وتهتّكت الأستار ، وظهر ما بطن ، وبطن ما ظهر ، وليس لي من خبر ، ومن لم يزل كما لم يزل « 4 » . 43 - أطال اللّه لي حياتك وأعدمني وفاتك ، على أحسن ما جرى به قدر ، ونطق به خبر . مع ما إن لك في قلبي من لواعج أسرار محبّتك ، وأفانين ذخائر مودّتك ، ما لا يترجمه كتاب ، ولا يحصيه حساب ، ولا يفنيه عتاب « 5 » . 44 - الأديان كلّها للّه عزّ وجلّ ، شغل بكلّ دين طائفة لا اختيارا فيهم بل اختيارا عليهم . فمن لام أحدا ببطلان ما هو عليه فقد حكم أنه اختار ذلك لنفسه ، وهذا مذهب القدريّة و « القدريّة مجوس هذه الأمّة » . واعلم أنّ اليهوديّة والنصرانيّة والإسلام وغير ذلك من الأديان هي ألقاب مختلفة وأسام متغايرة ، والمقصود منها لا يتغيّر ولا يختلف « 6 » .
--> ( 1 ) أخبار الحلاج رقم 41 . ( 2 ) الشورى : 11 . ( 3 ) أخبار الحلاج رقم 47 . ( 4 ) ملحق أخبار الحلاج رقم 2 . ( 5 ) ملحق أخبار الحلاج رقم 3 . ( 6 ) أخبار الحلاج رقم 45 .